جبل طارق بلا سياج.. اتفاق تاريخي ينهي أزمة العبور ولا يحسم نزاع السيادة…

مدير الموقع18 يوليو 2026آخر تحديث :
جبل طارق بلا سياج.. اتفاق تاريخي ينهي أزمة العبور ولا يحسم نزاع السيادة…

 

دخلت العلاقات بين إسبانيا وجبل طارق مرحلة جديدة، عقب توقيع بريطانيا والاتحاد الأوروبي معاهدة لتنظيم حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود، وما رافقها من إزالة السياج الحدودي وإنهاء عمليات التفتيش الروتينية التي ظلت لعقود تعرقل التنقل بين الجانبين.

ويأتي هذا الاتفاق بعد سنوات من المفاوضات التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذ ظلت العلاقة بين جبل طارق والتكتل الأوروبي دون تسوية واضحة، ما تسبب في حالة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي داخل الإقليم والمناطق الإسبانية المجاورة.

وتكتسي الخطوة أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، بالنظر إلى اعتماد جبل طارق، الذي يبلغ عدد سكانه نحو 40 ألف نسمة، على ما يقارب 15 ألف عامل يعبرون يومياً من الأراضي الإسبانية، ويشكلون نسبة مهمة من قوته العاملة.

وبموجب المعاهدة سيتمكن سكان جبل طارق من عبور الحدود نحو إسبانيا باستخدام بطاقات الإقامة دون الحاجة إلى ختم جوازات سفرهم، فيما يستطيع المواطنون الإسبان الدخول باستعمال بطاقات الهوية الرسمية.

أما القادمون عبر مطار جبل طارق، فسيخضعون لإجراءات مراقبة مشتركة من قبل سلطات جبل طارق وإسبانيا، في إطار ترتيبات تهدف إلى ضمان احترام قواعد منطقة شنغن، رغم أن الإقليم ليس عضواً فيها.

كما ينص الاتفاق على إزالة الحواجز المادية والضوابط المفروضة على حركة الأشخاص والبضائع، وإنشاء اتحاد جمركي بين الاتحاد الأوروبي وجبل طارق، إلى جانب تنسيق الضرائب غير المباشرة وتطبيق ضريبة تعادل ضريبة القيمة المضافة بنسبة 15 في المائة عند دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

ويتضمن الاتفاق أيضا مقتضيات تتعلق بحماية البيئة وتنسيق الضمان الاجتماعي، فضلا عن إحداث آلية مالية لدعم التكوين والتشغيل وتعزيز التماسك الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة، مع توفير ضمانات خاصة للعمال العابرين للحدود.

واعتبر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن إزالة السياج تمثل لحظة تاريخية وتنهي “جرحا مفتوحا” معربا عن أمله في أن تفتح هذه الخطوة صفحة جديدة من التعاون والتعايش والازدهار المشترك.

من جانبه أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن الاتفاق سيعود بالنفع على سكان منطقة “كامبو جبل طارق” من خلال تحسين حركة التنقل وتشجيع الاستثمار وتعزيز التعاون بين ضفتي الحدود.

وعمليا من شأن الإجراءات الجديدة إنهاء معاناة آلاف العمال الذين كانوا يضطرون إلى الانتظار لفترات طويلة عند المعابر، خصوصا خلال فترات التوتر الدبلوماسي بين مدريد ولندن بشأن السيادة على الإقليم.

ويعود أصل النزاع حول جبل طارق إلى سنة 1713، عندما تنازلت إسبانيا عنه لبريطانيا بموجب معاهدة أوتريخت، قبل أن يتحول، بحكم موقعه الاستراتيجي عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، إلى قاعدة بحرية وتجارية ذات أهمية كبيرة.

وبلغ التوتر بشأن الإقليم ذروته سنة 1969، عندما أغلق نظام فرانثيسكو فرانكو الحدود، عقب تصويت سكان جبل طارق بأغلبية ساحقة لصالح البقاء تحت السيادة البريطانية، ولم تفتح الحدود بالكامل مجددا إلا سنة 1985.

ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت إزالة السياج، فإن الاتفاق لا يغير الوضع السياسي لجبل طارق، الذي يبقى خاضعا للسيادة البريطانية، كما لا يعني تخلي إسبانيا عن مطالبها باستعادة الإقليم.

وتعتبر مدريد جبل طارق إقليما استعماريا مدرجا ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتستند في مطالبها إلى عدد من القرارات الأممية التي دعت بريطانيا وإسبانيا إلى التفاوض بشأن مستقبل الإقليم.

وفي المقابل تتمسك لندن وسلطات جبل طارق بحق السكان في تقرير مصيرهم، مستندتين إلى نتائج الاستفتاءات التي عبر فيها سكان الإقليم عن رغبتهم في البقاء تحت السيادة البريطانية.

ومع إزالة السياج عززت سلطات جبل طارق المراقبة الرقمية من خلال تركيب كاميرات للتعرف على الوجوه وزيادة أعداد الشرطة والموارد المخصصة للجمارك وخفر السواحل، في خطوة وصفها رئيس وزراء الإقليم فابيان بيكاردو بالقول إن “الحصن أصبح رقميا”.

وبذلك تكون المعاهدة قد أنهت أزمة الحدود والعبور، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاجتماعي، لكنها لم تطو بعد صفحة النزاع السيادي الممتد منذ أكثر من ثلاثة قرون؛ فقد سقط السياج الحديدي، بينما بقي الخلاف السياسي قائما بين مدريد ولندن.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق