على خلفية إعلان القصر الملكي الإسباني تنظيم زيارة للملك فيليب السادس وزوجته إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، ما بين الـ13 والـ14 من الشهر الجاري، قلّل أفراد الجالية المغربية المقيمون في إسبانيا من أهمية هذه الزيارة التي اعتبروها مجرد رد فعل على الضغوط السياسية الداخلية التي يمارسها اليمين المتطرف الإسباني، مؤكدين في الوقت ذاته أن مثل هذه الخطوات لا تغيّر من جوهر موقف المغاربة الثابت بشأن مغربية هذين الثغرين المحتلين.
وستكون هذه الزيارة، إن تمت، هي الأولى للملك فيليب السادس إلى المدينتين المحتلتين، والثالثة من نوعها لعاهل إسباني، بعد الزيارة التي أجراها الملك ألفونسو الثالث عشر عام 1927، الذي زار شمال المغرب الخاضع حينها للاستعمار الإسباني، ثم زيارة الملك خوان كارلوس في نونبر من سنة 2007، التي فجّرت أزمة دبلوماسية حينها بين الرباط ومدريد.
وقال توفيق سلمون، فاعل جمعوي مغربي مقيم بإسبانيا، إن “الانطباع العام لدى الجالية المغربية بإسبانيا بشأن هذه الزيارة هو أنها تكاد تكون لا حدث”، موضحا أن “الزيارة الملكية المرتقبة تأتي بعد نحو 75 يوماً من أحداث سبتة، وجاءت نتيجة ضغوطات طويلة من تيار اليمين الإسباني المتطرف الذي يرتبط بعلاقات مع المؤسسة الملكية، وذلك بعدما تعرضت الملكية لانتقادات واتهامات بالجبن لعدم تفاعلها المبكر مع القضية وعدم زيارة الملك المدينة في تلك الظروف”.
وسجل سلمون في تصريح له أن “هذه الزيارة تُعد مجرد تحصيل حاصل بالنسبة للجالية التي لا تربطها صلة قوية بالمؤسسة الملكية الإسبانية، بقدر ما تتأثر بقرارات الحكومة المركزية والحكومات المحلية والسياسات الإدارية، إذ تظل الملكية مجرد رمز لا يمكن إعطاء تصرفاته حجماً أكبر مما يستحق”.
وتابع المتحدث ذاته بأن “الدبلوماسية المغربية تستوعب طبيعة العقل السياسي الإسباني، وتدرك أن الزيارة فرضتها الضغوط الداخلية ومحاولات اليمين محاصرة الحكومة”، وزاد: “ورغم تفهم المغرب الظرفية والدور الوظيفي والرمزي لهذه الزيارة إلا أنه لن يعطيها أكبر من حجمها، مع إمكانية اتخاذ موقف خاص”، مُستبعدا في الوقت ذاته تكرار سيناريو سنة 2007 لاختلاف السياق الحالي الذي يطغى عليه الضغط المجتمعي والحزبي على الملك الإسباني.
وبين الفاعل المدني نفسه أن “رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، وافق في النهاية على هذه الزيارة حتى لا يُحسب عليه منع الملك من القيام بدوره، وتفادياً لمنح خصومه السياسيين في الحزب الشعبي وحزب ‘فوكس’ ورقة مجانية ضده”، مجددا التأكيد على أن “الزيارة تبقى ذات طبيعة وظيفية فرضتها الظرفية السياسية، وهدفها إنقاذ وجه الملكية في إسبانيا، مع زيادة إحراج الحكومة”.
من جهته أفاد سعيد بورحيم، فاعل مدني وحقوقي مغربي مقيم في إسبانيا، بأن “الموقف المغربي تجاه التطورات الأخيرة يتسم بالوضوح والانسجام التام مع تاريخ السياسة الخارجية للمملكة؛ وهي سياسة قائمة على التوازن والاستقرار والمرونة في التعامل مع مختلف التحولات”.
وأوضح بورحيم أن “المواطنين المغاربة، سواء داخل الوطن أو خارجه، يعتبرون قضية استرجاع مدينتي سبتة ومليلية من المسلمات الوطنية الراسخة باعتبارهما أراضي محتلة يجب تحريرها”، وزاد: “وتظل التفاصيل المتعلقة بالتوقيت وآليات معالجة هذا الملف وطرحه للنقاش الفعلي مع الإسبان خاضعة للسلطة التقديرية للقيادة المغربية”.
وأضاف المتحدث ذاته أن “المغرب لم يكن يوماً طرفاً يفتعل المنازعات أو يميل إلى المشاكسة مع جيرانه، بل كان دائماً يدعو عبر مختلف المراحل التاريخية والعهود الملكية إلى اعتماد خيار الحوار الدبلوماسي وتشكيل خلية تفكير مشتركة لحل القضايا العالقة بشكل سلمي وودي، مع الحرص على استمرار العلاقات الاقتصادية وعزلها عن أي تجاذبات أو توترات سياسية طارئة”.
واختتم الفاعل المدني نفسه تصريحه بالتأكيد على أن “السياسة الخارجية المغربية تتميز بالرزانة والابتعاد عن المزاجية أو التناقض في المواقف، خلافاً لبعض الجهات الأخرى؛ ورغم أن بعض الخطوات الإسبانية قد تُوظف لحسابات سياسية داخلية خاصة بجهات معينة إلا أن المساس بعمق العلاقات التاريخية بين الرباط ومدريد لن يكون في مصلحة أي من البلدين الجارين”.





















