الانتخابات التشريعية.. شبكات التواصل الاجتماعي ساحات جديدة للمنافسة وصناعة الرأي الانتخابي

Tafasil News7 سبتمبر 2026آخر تحديث :
الانتخابات التشريعية.. شبكات التواصل الاجتماعي ساحات جديدة للمنافسة وصناعة الرأي الانتخابي

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، دخلت الأحزاب السياسية والمرشحون مرحلة متقدمة من الاستعداد والتعريف بالوجوه والبرامج والخطوط العريضة لرهاناتهم الانتخابية، غير أن اللافت هذه المرة هو أن جزءا كبيرا من المنافسة لم يعد يجري فقط داخل المقرات الحزبية أو في التجمعات واللقاءات الميدانية، بل انتقل بقوة إلى فضاء أصبح أكثر حضورا وتأثيرا “شبكات التواصل الاجتماعي”.

 

فـ”فيسبوك” و”تيك توك” و”إنستغرام” و”يوتيوب” وغيرها لم تعد مجرد منصات للترفيه وتبادل الأخبار والصور، وإنما تحولت إلى ساحات مفتوحة للتواصل السياسي والتسويق الانتخابي وصناعة الصورة والتأثير في الرأي العام، خصوصا لدى فئة الشباب التي باتت شديدة الارتباط بالهاتف الذكي والعالم الرقمي.

 

وإذا كانت التجمعات الجماهيرية والجولات الميدانية لا تزال تحتفظ بدورها في كسب المواقع والتواصل المباشر مع المواطنين، فإن صعود المنصات الرقمية فرض على مختلف الأحزاب إعادة صياغة أدواتها؛ فالمرشح الذي كان في السابق ينتظر لقاء جماهيريا ليعرض أفكاره، أصبح اليوم قادرا، من خلال فيديو قصير أو تدوينة أو بث مباشر، على الوصول في دقائق إلى آلاف المتابعين.

 

والأهم من ذلك أن التواصل لم يعد أحادي الاتجاه. فالناخب اليوم لا يكتفي بالاستماع، بل يعلق ويناقش ويرد وينتقد ويشارك ويصنع بدوره جزءا من النقاش العام. وأصبح بإمكان المرشح أن يقرأ بشكل شبه مباشر انتظارات جمهوره، وأن يقيس ردود الفعل، وأن يعرف ما الذي يثير اهتمام الناخبين وما الذي لا يجد لديهم صدى.

 

ورغم أن الحملة الانتخابية الرسمية لن تنطلق إلا في 10 شتنبر الجاري، فإن الشبكات الاجتماعية دخلت بالفعل على إيقاع الاستحقاق. صفحات المرشحين تزداد نشاطا، الشعارات السياسية تتجاور مع المحتويات اليومية، والصور واللقاءات والتصريحات تنتشر بوتيرة متصاعدة، في مؤشر واضح على أن المعركة الرقمية بدأت قبل صافرة الحملة الرسمية.

 

وهذا التحول لا يتعلق فقط بكثرة المنشورات، بل أيضا بفهم طبيعة كل منصة. فالمداخلات المطولة تجد مجالها أكثر على “يوتيوب”، بينما تحقق المقاطع القصيرة والمباشرة، ذات الإيقاع السريع، انتشارا أكبر على “تيك توك” و”إنستغرام”. أما “فيسبوك” فما يزال يحتفظ بمكانة قوية في النقاش السياسي المحلي، خاصة من خلال الصفحات والمجموعات والتعليقات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى امتداد مباشر لما يجري في الشارع والمجالس.

 

ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر في دوائر محلية مثل السمارة، حيث تتداخل العلاقات الاجتماعية والسياسية بشكل كبير، ويعرف جزء واسع من الناخبين المرشحين والفاعلين المحليين عن قرب. هنا لا تبقى التدوينة مجرد محتوى عابر، فقد تتحول خلال ساعات إلى حديث في المقاهي والمجالس العائلية، ثم تعود مجددا إلى المنصة محملة بتعليقات وتأويلات جديدة.

 

كما أن المنصات الرقمية فتحت المجال أمام المرشحين الجدد والشباب الذين قد لا يمتلكون نفس الحضور التنظيمي أو الشبكات التقليدية التي يمتلكها مرشحون أقدم. فالحضور الرقمي الذكي، والمحتوى الجيد، والقدرة على التفاعل، أصبحت كلها أدوات قد تعوض جزءا من الفارق في الإمكانيات الميدانية.

 

وبالنسبة لفئة مهمة من الشباب تبدو هذه المنصات وسيلة فعالة للاطلاع على البرامج والمواقف. فهناك من يعتبر أن شبكات التواصل تساعده على التعرف على العرض السياسي لكل حزب، ومتابعة النقاش حول قضايا التشغيل والتعليم والصحة والتنمية، بل وتسمح له بالتفاعل مباشرة مع الفاعلين السياسيين وإبداء رأيه في أولوياته كناخب.

 

وتعزز الأرقام هذا التحول، إذ تشير المعطيات المتعلقة باستعمال الإنترنت بالمغرب إلى ارتفاع كبير في عدد الاشتراكات، بما يعكس اتساع قاعدة الجمهور الرقمي، ويجعل من هذه المنصات فضاء لا يمكن لأي حزب أو مرشح تجاهله في معركة الوصول إلى الناخبين.

 

لكن الوجه الآخر لهذا الحضور المكثف لا يخلو من مخاطر. فبقدر ما فتحت شبكات التواصل المجال أمام النقاش والتعريف بالبرامج وتقريب السياسة من المواطن، فتحت أيضا الباب أمام الإشاعة والتشهير والاقتطاع المضلل للتصريحات، بل وأمام الصور والفيديوهات المركبة والمحتويات المفبركة، خاصة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي.

 

ومن هنا يصبح الفرق ضروريا بين النقد السياسي المشروع وبين الاستهداف الشخصي، وبين كشف الحصيلة ومناقشة البرامج من جهة، وبين نشر ادعاءات غير موثقة أو تشويه السمعة من جهة أخرى.

 

فالانتخابات مهما احتدمت المنافسة فيها، ينبغي أن تظل منافسة بين برامج وأفكار وحصائل ورؤى للمستقبل، لا ساحة لتبادل الاتهامات والتجريح وصناعة الأخبار الكاذبة.

 

كما أن المؤشر الرقمي لا ينبغي أن يخدع أحدا، فعدد المشاهدات أو الإعجابات أو المشاركات لا يتحول آليا إلى أصوات داخل الصندوق. قد يكون المرشح الأكثر حضورا على المنصات أقل تأثيرا في الميدان، وقد يكون آخر محدود الضجيج الرقمي لكنه يمتلك رصيدا اجتماعيا وتنظيميا كبيرا.

 

ولهذا تبقى المعادلة الحقيقية مركبة، الحضور الرقمي يصنع الصورة والميدان يختبرها وصندوق الاقتراع يحسمها.

 

وقد كشفت انتخابات 2021، التي جرت في سياق فرض اللجوء المكثف إلى الوسائل الرقمية، عن قدرة هذه الأدوات على لعب دور مهم في التواصل السياسي، غير أن اقتراع 2026 يبدو متجها إلى تكريس مرحلة جديدة أصبحت فيها شبكات التواصل جزءا أصيلا من هندسة الحملة الانتخابية.

 

وخلاصة للموضوع لم تعد المنافسة الانتخابية تبدأ وتنتهي في المنصة والخيمة واللقاء الجماهيري، لقد أصبحت شاشة الهاتف نفسها جزءا من المعركة، وأصبح الناخب يتابع ويقارن ويناقش ويصنع رأيه في فضاء مفتوح لا ينام.

 

لكن مهما تطورت الأدوات، يبقى المعيار الحقيقي واحدا، من يستطيع أن يحول الحضور الرقمي إلى ثقة، والثقة إلى اقتناع، والاقتـناع إلى صوت داخل الصندوق.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق