صالح الكوري يزرع في السمارة درسا في الكد والاعتماد على النفس..!!

مدير الموقع5 سبتمبر 2026آخر تحديث :
صالح الكوري يزرع في السمارة درسا في الكد والاعتماد على النفس..!!

 

قال الله تعالى ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾، وقال سبحانه ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ﴾.

بين الآيتين تختصر فلسفة كاملة في الحياة، فالإنسان لا يبنى بالانتظار، ولا تصنع مستقبله الأمنيات وحدها، وإنما يرفعه السعي والعمل والصبر.

والرزق، وإن كان بيد الله سبحانه وتعالى فقد أمر الإنسان أن يمشي في مناكب الأرض وأن يأخذ بالأسباب، فقال عز وجل ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ﴾.

ومن هنا كان للعمل في ثقافتنا الدينية والاجتماعية مقام يتجاوز مجرد تحصيل المال، فهو كرامة للإنسان واستقلال عن الحاجة، وحفظ لماء الوجه وإعمار للأرض ونفع للنفس والأسرة والمجتمع.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده”.

وحين نتحدث عن العمل فلا ينبغي أن نحصره في مكتب مكيف، أو وظيفة عمومية، أو راتب ثابت في نهاية الشهر..! فالمعول عمل والزراعة عمل والرعي عمل والبناء عمل، والحرفة عمل كما أن التدريس والإدارة والهندسة والطب أعمال… قيمة الإنسان ليست في نظافة ثوبه بعد نهاية يومه، بل في نظافة اليد التي اكتسب بها رزقه وفي مقدار ما قدمه بصدق وإتقان.

ومن هذه الزاوية تحديدا تستحق تجربة الأب الصالح الكوري، رئيس تعاونية “دادة الفلاحية” أن نتوقف عندها ليس باعتبارها قصة محصول من “الدلاح” فحسب، وإنما لأنها تقدم نموذجا عمليا لما نحتاج إليه في مجتمعنا.. رجل تقدمت به السن..! لكنه لم يعتبر العمر رخصة للخمول، ولم يضع يده على خده منتظرا من يحمل عنه أعباء الحياة، بل حمل البذرة ونزل إلى الأرض وجرب، وأصاب مرة وربما أخفق أخرى، ثم عاد وجرب من جديد.

هناك في منطقة “خطاري” أمگالة.. لا يقدم الصالح الكوري محاضرات طويلة عن إمكانية الزراعة في الصحراء، ولا يدخل في سجال عقيم حول هل الأرض تنتج أم لا..! بل يضع المحصول أمامك ويترك للأرض أن تتكلم.

وفي هذا الموسم الصيفي، حصدت تعاونية “دادة الفلاحية” محصولا متواضعا من البطيخ الأحمر “الدلاح” وقد يبدو الأمر للبعض عاديا..! بضعة ثمار خرجت من أرض صحراوية.

لكن خلف الصورة حكاية أكبر بكثير. ماء يدبر وتربة تهيأ وبذور تغرس وشمس قاسية تقاوم، ومحصول ينتظر وأيام من الخدمة لا يعلم تفاصيلها إلا من جرب الفلاحة بيديه.

وقبل “خطاري، أمگالة” كانت هناك تجارب أخرى في هذه الربوع تستحق أن تحفظ في الذاكرة.

ففي لعطيف عرف الناس تجارب للزراعة البورية خاضتها تعاونيات وأفراد، منهم من رحل إلى جوار ربه وترك وراءه أثرا لا يزال شاهدا، ومنهم من حمل المشعل وواصل ما بدأه الآباء والأجداد.

وعلى ضفاف وادي سلوان، خاض شباب بدورهم تجارب في الزراعات العلفية، وبعضها أثبت قدرة هذه الأرض على الإنتاج عندما تتوفر الإرادة والمعرفة والماء والمواكبة.

وهذه التجارب، على اختلاف أحجامها ونتائجها تكشف شيئا واحدا. أن الصحراء ليست أرضا ميتة، وأن الإنسان الصحراوي ليس عاجزا عن الإنتاج.

ومن الظلم اختزال أبناء الإقليم في تلك الصورة النمطية البائسة التي تقدمهم وكأنهم ينتظرون الوظيفة والمساعدة ولا يريدون حمل المعول. الواقع يقول غير ذلك.

لدينا شباب دخلوا أوراش البناء، وآخرون اشتغلوا في التجارة والخدمات، ومن جربوا الفلاحة وتربية الماشية، ومن أسسوا تعاونيات ومقاولات صغيرة بإمكانيات محدودة جدا.

لكن وكما نطالب الشباب بالعمل والمبادرة، فمن الإنصاف أيضا أن نطالب بتهيئة شروط العمل.

فلا يمكن أن نقول للشاب “ازرع” ثم نتركه وحيدا أمام إشكالية الماء والتجهيز والتسويق والتمويل..! ولا أن نطالبه بالإنتاج ثم يجد كل الأبواب موصدة أمام مشروعه.

ثقافة العمل مسؤولية فردية نعم..! لكنها تحتاج كذلك إلى سياسات مواكبة تحمي المبادرات الجادة وتمنحها فرصة الاستمرار.

وهنا تحديدا تأتي قيمة نموذج الأب الصالح الكوري. فالرجل لم ينتظر أن تصبح الظروف مثالية، وإنما بدأ بما توفر، وهو اليوم يقدم الحجة والدليل، ويفتح ضيعته لكل مهتم لكي يرى بعينه أن ما يعرضه ليس صورة منتقاة ولا سرابا موسميا، وإنما محصول خرج فعلا من هذه الأرض.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحث على طلب الرزق والعمل، ومن المعاني المأثورة عنه، ألا يقعد الإنسان عن طلب الرزق وهو يدعو الله أن يرزقه، فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة.

وهو المعنى الذي نحتاج إلى استعادته اليوم، التوكل ليس تواكلا، والدعاء لا يلغي العمل، والطموح لا يغني عن السعي. تتضرع إلى الله أن يبارك لك، ثم تغرس.

تسأله الرزق، ثم تفتح باب دكانك. تدعوه بالتوفيق، ثم تتعلم حرفة. وترجوه النجاح، ثم تشمر عن ساعديك.

ولذلك فإن ما يفعله الأب الصالح الكوري يستحق المواكبة والتثمين والدعم التقني والفلاحي، وتستحق تجربته وتجارب غيره أن تدرس لمعرفة ما نجح فيها وما يمكن تطويره، وأن تتحول من محاولات فردية متفرقة إلى خبرة محلية متراكمة يستفيد منها الشباب الراغب في دخول المجال.

نحن لا نزعم أن بضع تجارب ستقلب واقع الفلاحة بالمنطقة بين ليلة وضحاها، ولا أن كل أرض تصلح لكل محصول، فالفلاحة علم وماء ومناخ وتربة وتدبير. لكننا نقول إن التجربة حين تنجح تستحق أن تفهم وتطور، لا أن تستهان بها.

فكرة أن الشيخ الصالح يستطيع أن يبدأ، والشاب يستطيع أن يكمل، وأن الأرض يمكن أن تعطي، وأن العمل اليدوي ليس نقصا، وأن قطرة العرق على الجبين أشرف من عمر كامل يقضيه الإنسان في انتظار ما قد يأتي أو لا يأتي.

فتحـية للأب الصالح الكوري، ولتعاونية “دادة الفلاحية” ولكل امرأة ورجل وشاب وضع يده في هذه الأرض وأعطاها من جهده قبل أن يسألها ماذا ستعطيه.

فالعمل لا يعيب صاحبه وإنما يرفعه، والأرض لا تعد أحدا بالمحصول بلا بذرة، والحياة نفسها لا تمنح كثيرا لمن اختار أن يبقى متفرجا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق