طبقا لمقتضيات الفصلين 89 و94 من النظام الأساسي لحزب الاستقلال، كما صادق عليه المؤتمر العام الثامن عشر، التأمت يوم الأحد 14 يونيو 2026، بقصر المؤتمرات أبي رقراق الولجة بمدينة سلا، أشغال الدورة العادية الرابعة للمجلس الوطني لحزب الاستقلال، في محطة تنظيمية وسياسية هامة عرفت حضورا وازنا لأعضاء اللجنة التنفيذية، ومشاركة مكثفة لأعضاء المجلس الوطني للحزب، الذين حجوا من مختلف جهات وأقاليم المملكة.
وترأس أشغال هذه الدورة السيد عبد الجبار الرشيدي، رئيس المجلس الوطني لحزب الاستقلال، حيث تميزت بتقديم السيد نزار بركة الأمين العام للحزب، لعرض سياسي وتنظيمي شامل، إلى جانب عرض مفصل حول مستجدات القوانين الانتخابية، فضلا عن فتح باب المناقشة العامة أمام أعضاء المجلس الوطني لإبداء آرائهم ومقترحاتهم حول أولويات المرحلة التنظيمية والسياسية المقبلة.
وفي عرضه السياسي والتنظيمي، أكد نزار بركة أن حزب الاستقلال يجدد انخراطه الكامل خلف جلالة الملك محمد السادس نصره الله، معلنا تجديد تعاقد الحزب مع المواطنات والمواطنين على أساس خيارات استراتيجية واضحة للولاية المقبلة، من خلال خمسة التزامات كبرى تشكل خارطة طريق الحزب للمرحلة القادمة.
ويتمثل الالتزام الأول في حماية الأسرة ومنظومة القيم، عبر صون الهوية المغربية وتماسك الأسرة باعتبارها نواة المجتمع، والتصدي للعوامل المؤثرة على استقرارها، خاصة ما يرتبط بتراجع الإقبال على الزواج وارتفاع نسب الطلاق، مع معالجة الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالسكن والتشغيل والقدرة الشرائية.
أما الالتزام الثاني فيتعلق بحماية القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، والقطع مع اقتصاد الريع والمضاربة، من خلال مواجهة تجار الأزمات، واقتراح إحداث شركات جهوية للتوزيع في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، بهدف ضبط أسعار المواد الأساسية وحماية الفلاح والمستهلك على حد سواء.
وفي الالتزام الثالث شدد الأمين العام للحزب على تبني سياسة تقوم على “صفر تسامح” مع الفساد وتضارب المصالح واستغلال النفوذ، وكل الممارسات المخلة بقواعد المنافسة الشريفة، معتبرا أن الفساد السياسي ألحق أضرارا كبيرة بالفعل السياسي، وأن مواجهته تقتضي الحزم والنزاهة والشفافية.
أما الالتزام الرابع فيرتبط بعدم التراجع عن دور المرفق العمومي، حيث أكد بركة أن تطوير القطاع الخاص لا يجب أن يكون على حساب الخدمات العمومية الأساسية، بل ينبغي مواصلة الارتقاء بمنظومتي الصحة والتعليم وسائر الخدمات العمومية، بما يضمن الجودة والإنصاف في الولوج إليها.
ويرتبط الالتزام الخامس بتعزيز سيادة المغرب بمختلف أبعادها، سواء تعلق الأمر بالسيادة المائية أو الطاقية أو الغذائية أو التكنولوجية، بما يرسخ استقلالية المملكة وسيادة قرارها الوطني.
واعتبر الأمين العام أن هذا التعاقد السياسي يجسد رؤية حزب الاستقلال لبناء مغرب السيادة والإنصاف والثقة، داعيا إلى جعل المرحلة المقبلة مناسبة للارتقاء بالعرض السياسي وتعزيز ثقة الشباب في المستقبل، وتعبئة مختلف الطاقات من أجل كسب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
كما أكد الأخ نزار بركة أن حزب الاستقلال يواصل الاضطلاع بدوره داخل الأغلبية الحكومية انطلاقاً من مرجعيته التعادلية والتزامه بخدمة المواطنات والمواطنين، مبرزاً أن الإصلاحات التي تم إطلاقها تجسد شعار “الإنصاف الآن” الذي رفعه الحزب خلال استحقاقات سنة 2021.
وفي هذا السياق توقف عند البرنامج الملكي للدعم الاجتماعي المباشر، مبرزا أن الحكومة نجحت في تنزيله، حيث تستفيد منه حوالي 3.9 ملايين أسرة، بمبالغ تتراوح بين 500 و1300 درهم حسب عدد الأطفال، مشيرا إلى أن أكثر من 40 في المائة من الأسر المغربية تستفيد من هذا الورش، فيما تتجاوز النسبة 50 في المائة ببعض المناطق القروية، بما يساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية وخفض معدل الفقر.
وأشار بركة إلى أن الحكومة تعمل على مراجعة المؤشر المعتمد للاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر، حتى لا يتم إقصاء الأسر المستحقة، معتبرا أن هذا الورش ينبغي أن يواكبه برنامج مواز يهدف إلى تمكين المواطنين من الخروج النهائي من دائرة الفقر.
وفي المجال الصحي، أكد الأمين العام أن الحكومة تواصل تنزيل إصلاحات هيكلية لتعزيز العدالة المجالية وتحسين جودة الخدمات الصحية، من خلال استكمال إحداث المجموعات الصحية الترابية واعتماد تدبير جهوي للقطاع، إلى جانب توسيع المستشفيات الجامعية وكليات الطب بمختلف جهات المملكة، بهدف تمكين أبناء جميع المناطق من الولوج إلى التكوين الطبي وتقليص الخصاص في الموارد البشرية.
وأوضح أن الحكومة تعمل كذلك على إعداد خريطة صحية وطنية ستكون ملزمة للقطاعين العام والخاص، مبرزا أن المغرب يعاني خصاصا يقدر بحوالي 30 ألف طبيب، وهو ما دفع إلى رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين الطبي من 2400 طبيب سنويا إلى 6400 طبيب سنويا.
كما استعرض الأمين العام حصيلة برنامج الدعم المباشر للسكن، مشيرا إلى تخصيص دعم بقيمة 70 ألف درهم لاقتناء السكن المتوسط، و100 ألف درهم للسكن الاجتماعي الذي لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، لافتاً إلى أن 52 في المائة من المستفيدين تقل أعمارهم عن 42 سنة، فيما يمثل مغاربة العالم 24 في المائة من مجموع المستفيدين.
وفيما يتعلق بالحوار الاجتماعي، أبرز بركة تخصيص 48 مليار درهم لهذا الورش، موجها التهنئة للأخ يوسف علاكوش على الثقة التي حظي بها، ومنوهاً بالجهود التي بذلها الأخ النعم ميارة في هذا المجال.
وشدد على أن حزب الاستقلال كان دائما مدافعا عن تحسين الأوضاع الاجتماعية والقدرة الشرائية للأجراء والموظفين في مختلف الحكومات التي شارك فيها، مستحضرا الزيادة العامة في الأجور بقيمة 600 درهم خلال حكومة عباس الفاسي، مقابل زيادة بلغت 1000 درهم في الحكومة الحالية، إضافة إلى زيادات خاصة بلغت 1500 درهم لرجال ونساء التعليم، و3000 درهم لقطاع التعليم العالي، و3300 درهم للأطباء.
كما أشار إلى الرفع من الحد الأدنى للأجور بنسبة 20 في المائة في الحكومة الحالية، وبنسبة 25 في المائة بالنسبة للعاملين في القطاع الفلاحي، مبرزا أن هذه المكتسبات تأتي امتدادا لمسار إصلاحي عرفته مشاركات حزب الاستقلال في الحكومات السابقة.
وفي الجانب الجبائي أوضح بركة أن سقف الإعفاء من الضريبة على الدخل انتقل من 4000 درهم خلال حكومة عباس الفاسي إلى 6000 درهم في الحكومة الحالية، بما يعزز القدرة الشرائية لفئات واسعة من الأجراء والموظفين.
كما أقر الأمين العام بوجود تراجع في القدرة الشرائية للمواطنين بسبب الظرفية الاقتصادية، مؤكدا في المقابل أن الحكومة اتخذت مجموعة من الإجراءات للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار، من بينها تخصيص نحو 17 مليار درهم لدعم قطاع الكهرباء، ومواصلة دعم غاز البوتان، حيث يبلغ الثمن الحقيقي لقنينة الغاز حوالي 135 درهما، في حين ظل سعر بيعها مستقرا بفضل تدخل الدولة، إلى جانب الحرص على عدم رفع أسعار نقل البضائع والمسافرين وخدمات النقل العمومي.
وبخصوص الإصلاحات الاجتماعية، أبرز بركة أن الإصلاحات المرتبطة بأنظمة التقاعد تروم تعزيز الحماية الاجتماعية وضمان الإنصاف، مشيرا إلى أنه أصبح بإمكان المنخرطين استرجاع اشتراكاتهم مهما كانت مدة عملهم، كما أصبح من الممكن الاستفادة من المعاش ابتداء من أربع سنوات من العمل.
وأكد أن حزب الاستقلال ظل حريصا على تخفيف العبء الجبائي على المتقاعدين، مذكرا بتخفيض الضريبة على الدخل على هذه الفئة خلال حكومتي عباس الفاسي وعبد الإله بنكيران، قبل أن تلغي الحكومة الحالية هذه الضريبة بشكل نهائي.
وفيما يخص إصلاح صناديق التقاعد، شدد بركة على ضرورة اعتماد مقاربة متوازنة تحفظ حقوق المتقاعدين ومكتسباتهم، دون أن تكون مجحفة في حقهم.
كما استعرض حصيلة وزراء حزب الاستقلال داخل الحكومة، مؤكدا أنهم ساهموا في تعزيز العدالة المجالية وترسيخ التماسك الاجتماعي وتقوية السيادة الوطنية، إلى جانب دعم التشغيل وإنصاف المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل.
وتوقف الأمين العام عند الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبرا إياها محطة مفصلية تستوجب استحضار دقة المرحلة وحجم الرهانات الوطنية المطروحة، مؤكدا أن الحديث عن انتخابات دون رهانات حقيقية يعد مغالطة، بالنظر إلى ما تعرفه المملكة من دينامية متواصلة.
ومن بين أبرز رهانات المرحلة، أشار بركة إلى استكمال مسار ترسيخ الوحدة الترابية والطي النهائي للنزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية للمملكة، وتعزيز المكاسب التي حققتها القضية الوطنية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
كما أبرز أهمية رهان “مغرب السرعة الواحدة” الذي دعا إليه جلالة الملك، من خلال مضاعفة الجهود لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بما يشجع المبادرات المحلية ويخلق فرص الشغل لفائدة الشباب.
وختم بركة عرضه بالتأكيد على رهان تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة، في ظل المكانة الدولية المتنامية للمغرب باعتباره قوة صاعدة، مستعرضا المبادرات الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك، وعلى رأسها مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، وتقوية السيادة الوطنية في مجالات الأمن الطاقي والغذائي وضمان استقلالية القرار الوطني.
من جانبه توقف الأخ عبد الجبار الرشيدي، رئيس المجلس الوطني للحزب، عند أبرز المستجدات التي جاء بها القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، معتبرا أنها تمثل قفزة نوعية في مسار تنزيل التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تخليق الحياة السياسية وعصرنة آلياتها التنافسية، بما يضمن نزاهة الاستحقاقات وصون الإرادة الحرة للمواطنين.
وركز الرشيدي على المقتضيات المرتبطة بموانع الترشح وحالات التنافي وضوابط التزكية الحزبية، خاصة المواد 6 و7 و8، التي حددت بدقة فئات الموظفين وحاملي السلاح الممنوعين من الترشح لضمان حياد الإدارة ومنع استغلال النفوذ، حيث يمتد المنع لمدة سنتين بالنسبة لبعض الفئات، وأربع سنوات بالنسبة لفئات أخرى، من بينها الخازن العام للمملكة، والخزنة الجهويون، وقضاة المجلس الأعلى للحسابات، ورؤساء المصالح وعمداء الشرطة.
كما تطرق إلى حالات التنافي الصارمة المنصوص عليها في المادة 13، والتي تمنع الجمع بين صفة نائب برلماني ورئاسة الجهة، أو الجمع مع أكثر من رئاسة واحدة للمجالس الجماعية والإقليمية والمهنية.
ومن أجل تحصين المنظومة الحزبية، أبرز الرشيدي المقتضى التنظيمي الجديد الذي ينص على أنه بمجرد إيداع التزكية الحزبية عبر المنصة الإلكترونية، لا يمكن للحزب التراجع عنها أو سحبها، بما يضمن استقرار الترشيحات ويقطع مع بعض الممارسات السابقة.
وتناول رئيس المجلس الوطني كذلك المستجدات المرتبطة بالتحول الرقمي، من خلال المنصة الرقمية للوثائق، حيث أصبح المسار يبدأ بالإيداع الإلكتروني للترشيحات والتثبت الرقمي من صحتها لاستخراج الوصل المؤقت، قبل الانتقال إلى الإيداع المادي للأصول لدى السلطة الإدارية المحلية.
كما أبرز المقتضيات التحفيزية المتمثلة في تخصيص دعم مالي للشباب أقل من 35 سنة لتعزيز حضورهم في المؤسسة التشريعية، إلى جانب إقرار دعم مالي للمترشحات والمترشحين في وضعية إعاقة، باعتباره مكسبا حقوقيا واجتماعيا ييسر ولوج هذه الفئة إلى مراكز القرار السياسي والتشريعي.
وفيما يتعلق بضمانات سلامة الصندوق وتنظيم تصويت الجالية المغربية بالخارج، أكد الرشيدي أهمية حماية سرية التصويت داخل المعزل، مع منع إدخال الهواتف النقالة لحماية حرية الناخب من أي ضغوط، إضافة إلى الآلية الرقمية الجديدة لتنظيم تصويت مغاربة العالم بالوكالة، حيث يتعين على الناخب المقيم بالخارج إنجاز وكالته عبر منصة إلكترونية مخصصة للتثبت الرقمي، على أن تتولى السلطات المحلية بالمغرب طبع الوكالة مباشرة من النظام الإلكتروني ووضعها رهن إشارة رئيس مكتب التصويت.
كما شدد الرشيدي على أهمية المنظومة العقابية الصارمة لمحاربة شراء الأصوات والتدليس والجرائم السيبرانية، حيث تم تشديد العقوبات الحبسية والغرامات المالية لمحاصرة جريمة شراء الأصوات والتأثير بالوعود أو الهدايا النقدية والعينية، مع زجر الإخلال بالدعاية، ونشر الإعلانات الانتخابية المؤدى عنها في منصات أجنبية، والتصويت أكثر من مرة، والاعتداء أو التهديد ضد الناخبين.
وأشار إلى أن التشدد القانوني يمتد إلى محاصرة التدليس الانتخابي داخل مكاتب التصويت، حيث أصبحت بعض المخالفات ترتب بقوة القانون الحرمان التلقائي من حق الترشح لولايتين متتاليتين.
وفي ظل الطفرة التكنولوجية، أبرز الرشيدي أن المشرع واكب الجرائم السيبرانية المعاصرة من خلال محاصرة جرائم الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي، عبر تجريم نشر الأخبار الزائفة والإشاعات التدليسية للتأثير على التصويت، واستحداث عقوبات سالبة للحرية وغرامات ثقيلة ضد كل من يصنع محتويات مفبركة أو تركيبات صورية وصوتية دون موافقة أصحابها بقصد التشهير بالمترشحين أو المساس بحياتهم الخاصة ونزاهة الصناديق، مع إقرار مقتضى يمنع الحكم بالعقوبات البديلة في هذه الجنح الانتخابية.
وشكلت هذه الدورة العادية الرابعة للمجلس الوطني لحزب الاستقلال محطة سياسية وتنظيمية وازنة، عكست حرص الحزب على مواصلة النقاش الداخلي، وتوحيد الرؤية حول رهانات المرحلة المقبلة، وتعزيز جاهزيته التنظيمية والسياسية للاستحقاقات القادمة، في إطار الوفاء لثوابت الحزب الوطنية والتعادلية وخدمة قضايا المواطن والتنمية والوحدة الترابية للمملكة.






















