اعتادت الساحة السياسية مع اقتراب كل محطة انتخابية، أن تبحث عن شخص أو جهة تعلق عليها مختلف الإخفاقات والتعثرات، وكأن تدبير الشأن العام مسؤولية فردية وليست مسؤولية جماعية تتقاسمها مؤسسات ومنتخبون وفاعلون متعددون.
وفي هذا السياق يبرز اسم البرلماني الشاب سيدي صالح الإدريسي كأكثر الأسماء تداولا في النقاش العمومي بإقليم السمارة، بين مؤيد يرى فيه نموذجا لجيل جديد من السياسيين، ومنتقد يحمله مسؤولية ملفات وقضايا يتجاوز نطاقها صلاحيات شخص واحد أو مؤسسة واحدة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو..!! هل من الإنصاف تحميل كامل المسؤولية لبرلماني يخوض أول تجربة له داخل المؤسسة التشريعية..؟ وهل أصبحت السمارة لا تضم سوى سيدي صالح الإدريسي حتى توجه إليه سهام النقد وحده دون غيره..؟
فالواقع السياسي والمؤسساتي بالإقليم يؤكد أن تمثيلية السمارة داخل البرلمان لا تقتصر على اسم واحد، بل يمثلها خلال هذه الولاية ثلاثة برلمانيين؛ نائبان عن الدائرة المحلية وبرلمانية عن اللائحة الوطنية.
وإذا كان من حق المواطنين مساءلة ممثليهم عن الحصيلة والوعود والالتزامات، فإن من مقتضيات الإنصاف أن تشمل المساءلة الجميع دون استثناء، وأن تخضع كل التجارب السياسية للمعايير نفسها.
إن بعض النقاشات الدائرة اليوم توحي وكأن كل مشاكل السمارة بدأت مع هذه الولاية البرلمانية، وكأن عقودا من التدبير السياسي السابق لم تكن موجودة أصلا.
والحال أن أي تقييم موضوعي يقتضي العودة إلى الوراء، ومقارنة ما تحقق خلال مختلف المراحل، وقياس الإنجازات والإخفاقات وفق معايير واضحة، بدل الاكتفاء بانتقاء مرحلة معينة أو شخص معين وتحميله وحده كل الأعباء.
لقد قدم سيدي صالح الإدريسي خلال حملته الانتخابية، برنامجا ورؤية وأهدافا مرتبطة بخدمة الإقليم والترافع عن قضاياه. ومن الطبيعي أن يحاسب على ما التزم به، لكن من الطبيعي أيضا أن تؤخذ بعين الاعتبار طبيعة المؤسسة البرلمانية وحدود صلاحياتها، وتعقيد المساطر الإدارية، وتشابك الاختصاصات بين مختلف القطاعات والمؤسسات.
فالبرلماني ليس وزيرا ولا رئيس حكومة ولا مسؤولا تنفيذيا يملك سلطة اتخاذ القرار المباشر في جميع الملفات.
ولعل ما يثير الانتباه في هذا الجدل أن بعض الأصوات التي تشن هجوما متواصلا على سيدي صالح الإدريسي تتجنب في المقابل الخوض في حصيلة أسماء سياسية ظلت لعقود طويلة في مواقع القرار والتأثير.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية..!! إذا كنا نطالب بمحاسبة الوافدين الجدد إلى العمل البرلماني، أفلا يجدر بنا مساءلة من سبقوهم..؟ وألا يستحق الرأي العام معرفة ما تحقق خلال سنوات طويلة من التمثيلية السياسية مقارنة بما حققته أقاليم ومدن مجاورة..؟
إن الديمقراطية لا تقوم على الانتقائية في النقد، كما لا تقوم على الحصانة السياسية. فالجميع يجب أن يكون خاضعا للتقييم والمساءلة، سواء تعلق الأمر ببرلماني في ولايته الأولى أو بفاعل سياسي راكم سنوات طويلة من المسؤولية.
أما تحويل شخص واحد إلى مركز لكل النقاشات والاتهامات، مع تجاهل باقي الفاعلين، فإنه يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا السلوك وأهدافه.
ولا يستبعد متابعون للشأن المحلي أن يكون جزء من هذا الجدل مرتبطا بالصراعات السياسية التي تشتد حدتها كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل السياسية المباشرة وغير المباشرة.
وفي مثل هذه الأجواء تختلط المعطيات الموضوعية بالاعتبارات الشخصية والحزبية، فيصبح من الصعب أحيانا التمييز بين النقد البناء والحملات الموجهة.
إن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن شخص أو مهاجمة آخر، وإنما ترسيخ ثقافة سياسية قائمة على الموضوعية والإنصاف. فإذا كان سيدي صالح الإدريسي قد أخفق في ملف معين فليتم انتقاده على ذلك، وإذا نجح في مبادرة أو ترافع عن قضية تخص الإقليم فليتم الاعتراف له بذلك.
كما ينبغي أن يطبق المعيار نفسه على جميع المنتخبين والفاعلين السياسيين دون تمييز.
فالسمارة لا تحتاج إلى معارك جانبية بقدر ما تحتاج إلى تقييم جاد لحصيلة ممثليها، وإلى نقاش عمومي مسؤول يضع مصلحة الإقليم فوق الحسابات الضيقة.
لأن الرهان الحقيقي ليس إسقاط هذا الاسم أو ذاك، وإنما البحث عن أفضل السبل للدفاع عن قضايا الساكنة وتحقيق التنمية المنشودة.
وفي نهاية المطاف قد تختلف الآراء حول سيدي صالح الإدريسي أو غيره من السياسيين، لكن ما ينبغي أن نتفق عليه جميعا هو أن العدالة في التقييم تقتضي مساءلة الجميع، لا شخصا واحدا فقط.
فالمسؤولية السياسية مسؤولية مشتركة، والإنصاف يفرض أن توزع الأسئلة على جميع من تولوا أو يتولون تمثيل السمارة، لأن الحكم العادل لا يقوم على الانتقائية، بل على المقارنة والموضوعية والاحتكام إلى الوقائع والنتائج.




















