الكفاءات الصحراوية والحكومة المرتقبة.. هل يحضر الجنوب في صناعة القرار أم يظل حاضرا في حسابات التمثيلية..؟

مدير الموقع12 أكتوبر 2026آخر تحديث :
الكفاءات الصحراوية والحكومة المرتقبة.. هل يحضر الجنوب في صناعة القرار أم يظل حاضرا في حسابات التمثيلية..؟

 

مع كل محطة سياسية تفضي إلى تشكيل حكومة جديدة، يعود إلى الواجهة سؤال التمثيلية المجالية داخل الجهاز التنفيذي، وتتجدد معه النقاشات بشأن حضور الكفاءات المنحدرة من الأقاليم الجنوبية في مراكز المسؤولية الوطنية.

غير أن هذا السؤال في عمقه يتجاوز البحث عن أسماء قد تتولى حقائب وزارية، ليلامس طبيعة العلاقة بين المجال الترابي ومؤسسات القرار، ومدى قدرة المنظومة السياسية على استثمار ما راكمته الصحراء المغربية من تجارب وكفاءات في مختلف القطاعات.

فالأقاليم الجنوبية أصبحت فضاء يعرف تحولات اقتصادية ومؤسساتية متسارعة، ويحتضن مشاريع استراتيجية في البنيات التحتية والطاقات المتجددة والاستثمار والتجارة والخدمات.

وقد أفرز هذا المسار أجيالا من الأطر والمنتخبين والباحثين والمقاولين والمسؤولين الإداريين الذين راكموا تجارب تستحق أن تكون حاضرة عند التفكير في تجديد النخب الوطنية.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري، هل استطاعت الأحزاب السياسية أن تحول هذا الرصيد البشري إلى قوة اقتراح وتأطير على المستوى الوطني، أم أن حضور الكفاءات الصحراوية داخل هياكلها ما يزال مرتبطا في جانب منه بالاستحقاقات الانتخابية والتوازنات التنظيمية أكثر من ارتباطه بمسارات واضحة لإعداد القيادات وتحمل المسؤوليات التنفيذية..؟

إن الحديث عن الكفاءات الصحراوية لا ينبغي أن يختزل في الانتماء القبلي أو الجغرافي، ولا في عدد المقاعد البرلمانية التي تحصل عليها هذا الحزب أو ذاك.

فالكفاءة مفهوم أوسع يقوم على التأهيل العلمي والتجربة المهنية والقدرة على التدبير واتخاذ القرار، فضلا عن النزاهة والاستقلالية في التفكير والقدرة على التعامل مع الملفات الوطنية بمختلف أبعادها.

كما أن المسؤول الحكومي مهما كان انتماؤه الجهوي لا يمثل منطقته وحدها، بل يتحمل مسؤولية وطنية تشمل جميع جهات المملكة.

ولذلك فإن المطالبة بتوسيع فرص وصول الكفاءات الصحراوية إلى الحكومة لا ينبغي فهمها باعتبارها دعوة إلى توزيع المناصب على أساس جغرافي، وإنما باعتبارها تساؤلا مشروعا حول مدى انفتاح آليات الانتقاء السياسي على مختلف الطاقات المؤهلة.

والواقع أن الأقاليم الجنوبية تتوفر على تجارب مهمة في تدبير الشأن المحلي والجهوي، وفي الإدارة العمومية والاقتصاد والتعليم العالي والمهن القانونية والقطاعات الاجتماعية.

غير أن الانتقال من النجاح في مجال مهني أو ترابي إلى تحمل مسؤولية حكومية وطنية يتطلب بدوره إعدادا سياسيا ومؤسساتيا، وقدرة على صياغة السياسات العمومية والدفاع عنها وتقييم نتائجها.

وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى القنوات الأساسية لتكوين النخب وترشيحها للمسؤوليات.

فالسؤال لا يتعلق فقط بمن تختاره القيادات الحزبية عند اقتراب موعد الإعلان عن الحكومة، بل بما قامت به هذه الأحزاب طوال السنوات السابقة لتأهيل أطر من الأقاليم الجنوبية، وإدماجها في مراكز القرار التنظيمي، وإسناد ملفات وطنية إليها بعيدا عن حصر أدوارها في تدبير التوازنات الانتخابية المحلية.

ومن زاوية أخرى فإن الحضور البرلماني والانتخابي، مهما بلغت أهميته، لا يترجم تلقائيا إلى حضور حكومي.

فاختيار الوزراء تحكمه اعتبارات دستورية وسياسية متعددة، من بينها طبيعة الأغلبية الحكومية وتوزيع الحقائب والاختصاصات المطلوبة لكل قطاع. ولهذا فإن تقييم التمثيلية ينبغي ألا ينطلق من افتراض وجود حق تلقائي في الاستوزار مقابل عدد معين من المقاعد.

لكن ذلك لا يلغي ضرورة مساءلة الأحزاب عن مدى اعتمادها معايير واضحة في اختيار مرشحيها للمسؤوليات التنفيذية، وعن فرص وصول الكفاءات التي لا تتوفر بالضرورة على نفوذ انتخابي أو امتداد عائلي أو موقع متقدم داخل شبكات العلاقات الحزبية.

فقد يكون من بين أبناء الأقاليم الجنوبية من يمتلك تجربة علمية أو إدارية أو اقتصادية تؤهله لتدبير قطاع وطني، دون أن يكون اسمه متداولا في المناسبات السياسية أو حاضرا في واجهة المنافسات الانتخابية.

وهذه الفئة تحديدا تستحق أن تحظى بفرص عادلة للتقييم والاختيار، وفق معايير موضوعية تنطبق على جميع الكفاءات المغربية.

ولا يقل أهمية عن ذلك سؤال حضور المرأة الصحراوية والشباب في مواقع المسؤولية.

فالنقاش حول تجديد النخب يفقد جانبا من معناه إذا اقتصر على إعادة تداول الأسماء ذاتها، دون فتح المجال أمام تجارب جديدة قادرة على تقديم تصورات مختلفة في التدبير العمومي.

وفي السياق نفسه لا يمكن اعتبار غياب وزير من جهة معينة دليلا قاطعا على تهميشها، مثلما لا يكفي تعيين وزير من أبنائها للاستنتاج بأن قضاياها التنموية قد وجدت طريقها إلى الحل.

فالمعيار الأعمق يرتبط بمدى حضور احتياجات الجهات في البرنامج الحكومي، وبحجم الالتزامات القابلة للتنفيذ، وبالنتائج التي يمكن قياسها على أرض الواقع.

وتبرز هذه المسألة بصورة أوضح في الأقاليم الجنوبية، حيث ترتبط الانتظارات المحلية بملفات التشغيل والاستثمار والتكوين والصحة والتعليم والربط الطرقي والعدالة المجالية.

وهي قضايا تتطلب سياسات عمومية منسجمة وتنسيقا بين القطاعات، ولا يمكن اختزال معالجتها في وجود شخصية واحدة أو أكثر داخل الحكومة.

كما أن التجارب التي راكمتها الجهات الجنوبية في إطار الجهوية المتقدمة تفتح مجالا للتفكير في العلاقة بين المسؤولية الترابية والمسؤولية الوطنية.

فالمنتخب أو المسؤول الذي أثبت قدرة على التدبير المحلي قد يمتلك مؤهلات قابلة للتطوير على المستوى الحكومي، شريطة تقييم تجربته وفق نتائج واضحة، لا وفق الانتماء أو الحضور الإعلامي وحدهما.

وعليه فإن الحكومة المرتقبة تمثل مناسبة لطرح سؤال أوسع من مجرد معرفة من سيدخلها ومن سيغادرها، إلى أي حد تستطيع الأحزاب والمؤسسات تجديد النخب التنفيذية، والاستفادة من التنوع الجهوي والاجتماعي والمهني الذي تزخر به المملكة..؟

إن الأقاليم الجنوبية بما راكمته من تحولات وما أفرزته من أطر، ليست في حاجة إلى تمثيلية رمزية بقدر حاجتها، شأنها شأن باقي جهات المغرب، إلى آليات منصفة تتيح للكفاءات المؤهلة الوصول إلى مواقع المسؤولية، وإلى سياسات حكومية تستجيب لانتظارات المواطنين.

وفي المحصلة لا ينبغي أن يكون السؤال فقط، كم وزيرا من الأقاليم الجنوبية ستضم الحكومة المقبلة..؟ بل أيضا ما المعايير التي ستحدد اختيار الوزراء..؟ وما المكانة التي ستمنح للكفاءة والتجربة والتجديد..؟ وكيف ستنعكس الخيارات الحكومية على التنمية والعدالة المجالية..؟

فتلك أسئلة تتجاوز أسماء الأشخاص وحسابات الأحزاب، وتمس جوهر المشاركة في صناعة القرار الوطني، وتحدد المعنى الحقيقي لحضور الكفاءات الصحراوية في المؤسسات التنفيذية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق