أطفال في سن الزهور يبحثون عن السجائر.. حين يغيب الانتباه الأسري تبدأ رحلة النيكوتين من أبواب المقاهي..!!

مدير الموقع15 أكتوبر 2026آخر تحديث :
أطفال في سن الزهور يبحثون عن السجائر.. حين يغيب الانتباه الأسري تبدأ رحلة النيكوتين من أبواب المقاهي..!!

 

قد تبدو بعض التصرفات العابرة التي تصدر عن الأطفال مجرد فضول مرتبط بمرحلة عمرية معينة، غير أن التوقف عند تفاصيلها يكشف أحيانا عن مؤشرات تستحق الانتباه، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلوكات قد تتحول مع مرور الوقت إلى عادات يصعب التخلص منها.

ومن بين هذه السلوكات ظاهرة بدأت تطفو على السطح بمدينة السمارة، تتمثل في تجول بعض التلاميذ القاصرين بحثا عن السجائر في مشاهد تثير القلق وتطرح أسئلة جدية حول دور الأسرة والمحيط الاجتماعي في حماية الناشئة.

فالمعطيات التي حصلنا عليها تشير إلى أن بعض التلاميذ الذين يتابعون دراستهم بالمستوى الإعدادي، يستغلون فترة خروجهم من المؤسسات التعليمية عند منتصف النهار للتجول بين المقاهي وبعض الفضاءات بحثا عن السجائر، في وقت يفترض أن تكون فيه هذه الفترة مخصصة للعودة إلى المنازل وتناول وجبة الغذاء والاستعداد لاستئناف الدراسة.

والأكثر إثارة للانتباه أن الأمر لا يتوقف عند محاولة اقتناء السجائر، بل يمتد أحيانا إلى طلبها من رواد المقاهي.

فقد علمت الجريدة أن صاحب أحد المقاهي رفض بيع السجائر لمجموعة من هؤلاء الأطفال، غير أنهم لم يتراجعوا عن مسعاهم، بل توجهوا إلى بعض مرتادي المقهى يلتمسون منهم منحهم سيجارة، في مشهد يعكس إصرارا مقلقا على الوصول إلى مادة يفترض أن تبقى بعيدة عن متناولهم.

وهنا لا بد من تسجيل موقف إيجابي لصاحب المقهى الذي رفض تزويد القاصرين بالسجائر، باعتبار أن حماية الأطفال مسؤولية أخلاقية واجتماعية لا تنحصر في حدود الأسرة أو المؤسسة التعليمية، بل تشمل أيضاًذ مختلف الفضاءات التي يرتادونها.

لكن هذه الواقعة على أهميتها لا ينبغي اختزالها في تصرف أطفال يبحثون عن سيجارة، وإنما تستدعي قراءة أعمق في الأسباب التي قد تدفع تلميذا لم يتجاوز بعد مرحلة التعليم الإعدادي إلى البحث عن النيكوتين والإلحاح في طلبه، وربما اعتبار تدخين السجائر مظهرا من مظاهر إثبات الذات أو تقليد الكبار.

ففي هذه المرحلة العمرية يكون الطفل شديد التأثر بمحيطه وبسلوكات أقرانه، وقد يتحول الفضول الأول إلى تجربة ثم إلى ممارسة متكررة وصولا إلى الاعتماد على النيكوتين.

ولا يمكن الجزم بأن جميع الأطفال الذين يبحثون عن السجائر قد بلغوا مرحلة الإدمان لكن مجرد تكرار هذا السلوك يمثل مؤشرا يستوجب التدخل المبكر.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم أين تبدأ مسؤولية الأسرة وأين تنتهي..؟

إن توجيه هذا السؤال إلى أولياء الأمور لا يراد منه تحميلهم مسؤولية كل تصرف يصدر عن أبنائهم، وإنما التذكير بأن الأسرة تظل الحلقة الأولى في التربية والتوجيه والمتابعة.

فالأب والأم مطالبان بمعرفة طبيعة العلاقات التي ينسجها أبناؤهما، والأماكن التي يرتادونها، وكيفية قضائهم لأوقاتهم خارج أسوار المؤسسات التعليمية، دون أن يتحول ذلك إلى مراقبة قاسية أو تضييق يضعف الثقة بين الطرفين.

وقد يعتقد بعض الآباء أن وجود الابن داخل المؤسسة التعليمية خلال الفترة الصباحية كاف للاطمئنان على سلوكه، غير أن الفترات الفاصلة بين الحصص الدراسية، وخصوصا وقت الظهيرة، قد تتيح مجالا لتصرفات لا تصل أخبارها إلى الأسرة إلا بعد استفحالها.

كما أن توفير المصروف اليومي دون مواكبته بحوار تربوي حول كيفية إنفاقه، أو التساهل مع بعض السلوكات بدعوى أنها مجرد تجارب عابرة، قد يجعل الطفل أقل إدراكا لخطورة ما يقدم عليه.

ومع ذلك فإن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية هذه الظاهرة لن يكون منصفا أو كافيا لمعالجتها. فالمحيط الاجتماعي بدوره يؤدي دورا أساسيا، خصوصا عندما يجد الطفل من يمده بسيجارة بدافع المجاملة أو المزاح أو بدعوى أن الأمر لا يستحق التشدد.

إن السيجارة التي يمنحها شخص بالغ لطفل قد تبدو في نظره تصرفا بسيطا، لكنها قد تشكل مساهمة مباشرة في ترسيخ سلوك ضار بصحته ومستقبله. ولذلك فإن الامتناع عن تقديم السجائر للقاصرين ينبغي أن يكون موقفا جماعيا ثابتا، لا مجرد مبادرة فردية معزولة.

أما المؤسسة التعليمية فرغم أن الوقائع المشار إليها تحدث خارج أسوارها، فإن دورها التربوي يظل قائما من خلال التوعية والتحسيس والتواصل مع الأسر. وليس المطلوب تحميل الأطر الإدارية والتربوية مسؤولية مراقبة التلاميذ في الشوارع والمقاهي، بل تعزيز التعاون بينها وبين جمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ، من أجل رصد المؤشرات المقلقة ومعالجتها قبل تحولها إلى ظواهر أكثر انتشارا.

ومن المهم أيضا ألا تتحول معالجة هذه السلوكات إلى حملات للتشهير بالأطفال أو تصويرهم ونشر صورهم أو تعنيفهم أمام أقرانهم، لأن المقاربة القائمة على الإحراج والعقاب وحدهما قد تدفع بعضهم إلى إخفاء ممارساتهم بدل التخلي عنها.

إن الطفل الذي يبحث عن سيجارة يحتاج أولا إلى من يفهم دوافعه، ويساعده على إدراك المخاطر الصحية والنفسية والاجتماعية المرتبطة بالتدخين، ويمنحه الثقة الكافية للتراجع عن هذا السلوك دون خوف من الوصم أو الإهانة.

ومن هذا المنطلق فإن الحد من الظاهرة يستدعي تصورا عمليا يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة، أولها الأسرة، عبر تخصيص وقت للحوار اليومي مع الأبناء، ومتابعة أصدقائهم وأنشطتهم، والانتباه إلى أي تغيرات مفاجئة في سلوكاتهم، مع الحرص على تقديم القدوة الحسنة داخل المنزل.

أما المستوى الثاني فيتعلق بالمؤسسات التعليمية وجمعيات الآباء من خلال تنظيم لقاءات تحسيسية مبسطة ومناسبة لأعمار التلاميذ، بمشاركة أطر صحية وتربوية، تشرح مخاطر التدخين والاعتماد على النيكوتين، وتفتح المجال أمام الأطفال لطرح أسئلتهم دون تخويف أو أحكام مسبقة.

ويتمثل المستوى الثالث في إشراك أصحاب المقاهي والمحلات التجارية ورواد الفضاءات العمومية في حماية القاصرين، عبر الامتناع عن تمكينهم من السجائر، والتعامل معهم بأسلوب تربوي يحفظ كرامتهم مع تفعيل المقتضيات القانونية ذات الصلة من طرف الجهات المختصة.

كما يمكن التفكير في مبادرة محلية مشتركة بين الأسر والمؤسسات التعليمية والفعاليات الجمعوية والصحية، تحت شعار “طفولتنا بلا تدخين” تتضمن أنشطة تحسيسية داخل الإعداديات ولقاءات مع أولياء الأمور ورسائل توعوية موجهة إلى أصحاب المقاهي والمحلات، مع توفير المواكبة المناسبة للأطفال الذين ظهرت لديهم بوادر الاعتماد على النيكوتين.

ولعل من المفيد أن تتجاوز هذه المبادرات أسلوب المحاضرات التقليدية، نحو أنشطة تفاعلية تتيح للتلاميذ التعبير عن آرائهم وفهم الضغوط التي قد يمارسها بعض الأقران، مع تشجيعهم على الانخراط في الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية التي تمنحهم فضاءات صحية لإثبات الذات وبناء الشخصية.

وفي المقابل ينبغي التعامل بحذر مع حجم الظاهرة إذ إن الوقائع التي وصلت إلى الجريدة، رغم ما تحمله من دلالات مقلقة، لا تسمح وحدها بالجزم بأنها أصبحت منتشرة بين تلاميذ المدينة أو تحديد نسبتها. غير أن انتظار تحولها إلى مشكلة واسعة قبل التحرك لن يكون خيارا تربويا سليما.

إن ما يحدث أمام بعض المقاهي ليس مجرد بحث عن سيجارة، بل جرس تنبيه يستدعي من الجميع إعادة النظر في طبيعة العلاقة التي تجمع الطفل بأسرته ومدرسته ومحيطه. فالطفولة لا تحتاج إلى المراقبة وحدها، بل إلى الحضور والإنصات والاحتواء والقدوة الحسنة.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل أب وأم هي أن التربية لا تتوقف عند باب المؤسسة التعليمية، وأن الاطمئنان إلى وجود الابن في مقعد الدراسة لا يغني عن معرفة ما يفعله عندما يغادر ذلك المقعد.

فأطفال اليوم هم شباب الغد وحمايتهم من التدخين لا تبدأ عندما يصبح الإقلاع عنه صعبا، وإنما تبدأ من أول سيجارة يبحثون عنها ومن أول شخص بالغ يختار أن يقول لهم بحكمة ومسؤولية لا.

وتبقى المسؤولية مشتركة لكن للأسرة فيها موقع الصدارة، وللمجتمع واجب المساندة وللمؤسسة التعليمية دور التوجيه حتى لا تتحول لحظات الفضول في سن الزهور إلى سنوات من المعاناة مع النيكوتين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق