عاد ملف ارتفاع أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب، بعدما جدد مهنيون ونقابيون في قطاع النقل الطرقي تحذيراتهم من التداعيات المتزايدة لغلاء الغازوال على نشاطهم المهني، مؤكدين أن خيار العودة إلى الاحتجاجات والإضرابات يظل مطروحا في حال استمرار ارتفاع التكاليف دون إيجاد حلول عملية تخفف من الأعباء التي يتحملها القطاع.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل حالة من الترقب تسود أوساط مهنيي النقل، الذين ينتظرون ما ستسفر عنه المرحلة الحكومية الجديدة من إجراءات مرتبطة بأسعار المحروقات والدعم الاستثنائي الموجه للقطاع، فضلا عن مستقبل الحوار مع الهيئات النقابية والمهنية.
وحسب تصريحات مهنية نشرتها جريدة هسبريس، اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، فإن التنسيق النقابي لقطاع النقل الطرقي لا يستبعد اللجوء إلى خطوات احتجاجية جديدة، بما فيها الإضراب، إذا استمرت الضغوط المالية التي تواجه المهنيين دون الاستجابة لمطالبهم.
وفي هذا السياق أكد مصطفى الكيحل، الكاتب العام للاتحاد الديمقراطي المغربي للنقل، أن المهنيين يتابعون باهتمام تطورات أسعار المحروقات والإجراءات الحكومية المرتبطة بالدعم، مشيرا إلى أن حالة الانتظار الحالية لا تعني التخلي عن المطالب المهنية أو استبعاد العودة إلى الأشكال الاحتجاجية.
ويرى مهنيون أن الارتفاع المتواصل في أسعار الغازوال ينعكس بشكل مباشر على كلفة تشغيل المركبات، سواء تعلق الأمر بنقل المسافرين أو البضائع، بالنظر إلى الوزن الذي تشكله المحروقات ضمن المصاريف اليومية للمقاولات والناقلين.
ولا تتوقف انعكاسات هذه الزيادات عند حدود القطاع، بل تمتد إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به، خصوصا نقل المواد الغذائية والمنتجات الفلاحية ومواد البناء والبضائع الموجهة إلى الأسواق الوطنية.
ويثير هذا الوضع مخاوف من انتقال جزء من تكاليف النقل الإضافية إلى المستهلك النهائي، بما قد يزيد الضغط على القدرة الشرائية للأسر، في وقت تشهد فيه أسعار عدد من المواد والخدمات نقاشا متواصلا بشأن كلفتها وتأثيرها على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي المقابل يعتبر مهنيون أن الدعم الاستثنائي الذي استفاد منه قطاع النقل خلال فترات سابقة ساهم في التخفيف من بعض الأعباء، غير أن استمرار تقلب أسعار المحروقات يطرح بحسبهم، الحاجة إلى حلول أكثر استقراراً ووضوحا.
ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة إلى الأقاليم الجنوبية للمملكة، وفي مقدمتها السمارة والعيون والداخلة وكلميم، حيث تشكل المسافات الطويلة بين المدن عاملا أساسيا في تحديد تكاليف نقل المسافرين والبضائع.
فالرحلات التي تربط السمارة بالعيون، أو تلك الممتدة نحو كلميم وأكادير والدار البيضاء، تتأثر بطبيعتها بتكاليف المحروقات والصيانة والاستغلال، وهو ما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الغازوال مصدر قلق لدى المهنيين والمرتفقين على حد سواء.
غير أن ارتفاع أسعار المحروقات لا يمنح الناقلين، في حد ذاته، الحق في فرض زيادات تلقائية على تسعيرات النقل الخاضعة للتنظيم، إذ تظل أي مراجعة للأسعار مرتبطة بالإجراءات والقرارات الصادرة عن السلطات المختصة.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية الموازنة بين حماية استمرارية النشاط المهني وضمان حقوق المسافرين، حتى لا تتحول الصعوبات التي يواجهها قطاع النقل إلى أعباء إضافية يتحملها المواطن دون سند قانوني.
كما يطرح الملف ضرورة فتح حوار مسؤول بين الحكومة والهيئات الممثلة للقطاع، يقوم على دراسة التكاليف الحقيقية للاستغلال، وتقييم أثر آليات الدعم، والبحث عن حلول تضمن استقرار الخدمات وتحافظ على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية.
وإلى حدود المعطيات المنشورة، لم تعلن الهيئات المهنية المعنية عن موعد محدد لخوض إضراب وطني، إذ لا يزال هذا الخيار ضمن الاحتمالات المطروحة في انتظار تطورات الأسعار ونتائج الحوار المرتقب.
وبين مطالب المهنيين بالحفاظ على استمرارية نشاطهم، وتطلعات المواطنين إلى أسعار نقل معقولة، يعود ملف المحروقات ليطرح نفسه باعتباره قضية اقتصادية واجتماعية تتجاوز محطات الوقود، وتمتد آثارها إلى الأسواق والطرقات والقدرة الشرائية للأسر المغربية.
ويبقى الرهان خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال من تدبير انعكاسات ارتفاع الأسعار بصورة ظرفية إلى البحث عن حلول مستدامة، تحول دون تكرار التوترات المهنية، وتحمي في الوقت نفسه مصالح الناقلين وحقوق المواطنين.





















